كتب / د. محمد كامل الباز
تحرص دائماً المجتمعات على التخلص من سلبياتها، بالترغيب أحياناً وبالردع والترهيب أحياناً أخرى، كما تسعى إلى حماية الأطباء وغيرهم من أصحاب المهن الحيوية باعتبارهم أحد أهم ركائز المجتمع. وترصد المجتمعات المدنية أي ظواهر تؤثر بالسلب على المجتمع وتحرص على محاصرتها للحد منها أو القضاء عليها.. دول عانت من موضوع التكاتك فقامت باحتوائها وترخيصها حتى يتم السيطرة عليها وتقنينها، ودول أخرى منعت تلك الكائنات المرورية ورفضت وجودها.. هناك دول تعاملت مع ظاهرة البلطجة بكل حزم، ودول أخرى استفادت منها داخل الإصلاحيات والسجون.. هكذا تتعامل المجتمعات مع بعض الظواهر المستحدثة والتي من الممكن أن تضر بالمجتمع وتضر بسلامته واستقراره…
في بلدنا الحبيب منذ فترة يبدو أن هناك فئة يتم استهدافها بل والتضييق عليها، وأصبحت حماية الأطباء قضية تستحق التوقف أمامها بجدية، لما تمثله من أهمية للحفاظ على المنظومة الصحية.
ليسوا باعة جائلين يزعجون السكان، أو صانعي محتوى هابط يؤثر على الذوق العام!!
بل هم الأطباء!!
نعم كما أقول لك.. الأطباء.
الأطباء بين الضغوط المهنية والهجوم المجتمعي
كل الظواهر والشواهد التي ألمّت بالمجتمع في العقود الأخيرة تؤكد تلك الظاهرة؛ المجتمع لا يريد أطباء… هجوم مكثف في وسائل الإعلام على الطبيب، برامج مخصصة وأحاديث موجهة، صحافة وسوشيال ميديا وتحريض علني.. أي مهنة من حقها الخطأ ولكن الطبيب لا يجوز له الخطأ.. وصل الأمر لسن قوانين تؤكد حبس الطبيب لو حدثت مضاعفات نتيجة عملية قد أداها، ضغط في كل مكان، تفتيش في الهيئات العامة وتضييق في المنشآت الخاصة؛ لكي ينال الطبيب ترخيص منشأة قد تكون الإجراءات أصعب من فتح مضيق هرمز!!
تدخل أي مصلحة حكومية تجد ما تجد، ولكن عند دخولك المستشفى أو الوحدة الصحية لو تأخر عليك الطبيب دقيقتين فمن حقك أن ترفع عليه قضية أو تشكوه نيابياً!!
يشعر الطبيب أنه محاصر من جهة عمله ورؤسائه قبل أن يُحاصر من المرضى وباقي المتربصين له، وهو ما يجعل الحديث عن حماية الأطباء ضرورة ملحة لضمان قدرتهم على أداء رسالتهم الإنسانية في بيئة آمنة.
حادثة طبيبة الأسنان تعيد ملف حماية الأطباء إلى الواجهة
منذ أيام انقلبت السوشيال ميديا على حادثة لو تمت في أي بلد بها اهتمام بشيء اسمه صحة لانقلبت الدنيا ولم تقعد.. طبيبة أسنان تمارس مهامها في مكانها الحكومي، وبعد أن أنهت عملها على أكمل وجه (لم تقل للمريض فوت علينا بكرة أو ادفع عشان تعدي كما يحدث في كثير من المصالح)، إذ بنافورة تجاوزات من المريض وأهله لأنهم يريدون الضرس المخلوع..
بالطبع الطبيبة نفذت تعاليم مكافحة العدوى التي توصي بإلقاء مثل ذلك الضرس في صندوق النفايات، وإذ لم تفعل ذلك ستأتي فوراً مسؤولة مكافحة العدوى لتعاقب تلك الطبيبة…
هرج ومرج وصل لحد الاشتباكات بالأيدي….
لست في مجال الفصل في تلك الواقعة لأنه ليس تخصصي، لست بصدد أن أحكم من المخطئ ومن المصيب، لكن لماذا دائماً تعجز الدولة عن توفير حماية الأطباء داخل مقر عملهم؟
طبيبة تعمل في محيط عملها يتم التعدي عليها من قبل أهل المريض، ناهيك أنها امرأة قد تم التعامل معها بما هو مخزٍ ومؤسف…
اختلفت القصص والروايات ولكني أمام واقعة موثقة بالصوت والصورة؛
هل يستطيع هؤلاء الناس فعل ذلك في موظف بنك داخل مقر عمله؟
هل يجرؤ أحد منهم أن يفعل مثل هذا مع موظف في المرور أو الجوازات؟؟
هل من الممكن أن نسمع أن التأمينات أو المعاشات، التموين أو السجلات حدث فيها مثل تلك الحادثة النكراء.. أم ترى أن الطبيب أصبح مستباحاً داخل مقر عمله؟
أين تأمين المنشآت الصحية؟ أين الحفاظ على الأطباء؟
كان هناك رجل أمن يشاهد الواقعة كما شاهدناها على السوشيال ميديا ولم يفعل شيئاً.
مهزلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى!
كيف تؤثر الاعتداءات على مستقبل مهنة الطب؟
كيف سيشجع الأب أو الأم أبناءهما كي يذاكروا ويجتهدوا؟
ما حال أولادنا وبناتنا وهم يرون صفوة المجتمع علمياً يحدث معهم مثل هذا، ومن هم يحصلون على الثانوية العامة بالكاد يُكرمون على التيك توك والانستجرام!!
كيف سينشأ هؤلاء الصغار مع كل هذا اللغط؟
قديماً كنا نُنصح من قبل أهالينا أن “ذاكر لتصبح طبيباً”.. مركز مرموق ولقب عالي الوجاهة.
الآن بعد أن يشاهد ابنك الطبيبة التي ذاكرت وتفوقت سنين عمرها لترتدي الزي الملائكي وهي تُضرب وتُسحل هكذا، كيف سيكون ردة فعلها.. كيف ستقنع ابنك أو ابنتك أن تلك الفتاة حصدت ثمار كفاحها وسهرها؟ هل كان ذلك الحصاد هو تلك “العلقة السخنة”..
حماية الأطباء ضرورة للحفاظ على المنظومة الصحية
أناشد وزارة الصحة والهيئات القضائية أن تسن أقسى أنواع القوانين التي تجرم التعدي على أي فرد من المنشآت الصحية، طبيباً كان أو إدارياً، ممرضاً كان أو عاملاً؛ لأنه بذلك الوضع ستضاعف وتزيد هجرة الأطباء عن معدلها المقلق الآن.
سيدخل الطالب كليات الطب وهو يعد جواز سفره لكي يغادر البلاد بعد تخرجه.
بهذا الوضع ستفقد المستشفيات الحكومية والوحدات الصحية أعداداً أكبر وسيدفع المواطن الغلبان ضريبة هذا.
لو وقف المجتمع مكتوف اليد في حماية الأطباء والحفاظ على حقوقهم الأدبية والمادية (بالطبع الحقوق المادية تحتاج مقالاً منفصلاً)، سيدفع المجتمع ثمن هذا من أمنه الصحي.
وليبدأ الناس في التأقلم والتعايش مع أي مرض أو وباء، فربما في المستقبل القريب يكون المجتمع بلا أطباء.
إن حماية الأطباء ليست مطلبًا فئويًا، بل ضرورة لضمان استمرار المنظومة الصحية وحماية حق كل مواطن في الحصول على خدمة طبية آمنة وكريمة، فالمستقبل يبدأ من احترام الطبيب وتأمين بيئة عمله.

لمتابعة المزيد زروا صفحتنا على الفيس بوك 👇
https://www.facebook.com/share/1H51ao4C9e/




