هل كانت رسالة الفارس الملثم لأبو شباب تكراراً من رسالة الكامل الأيوبي إلي خليفة بغداد… أم مجرد تشابه كلمات؟؟

كتب / د. محمد كامل الباز
التاريخ ليس حكاية أو قصة قد نرويها لصغارنا أو طلابنا، ليس الهدف من ذكر حال الأمم السابقة أن تسلي أولادك أو تثير فضولهم وإعجابهم، بل التاريخ ما هو إلا سير ودروس، تغير الضمائر وتهذب النفوس، عبر وعظات من السابقين كي يتعلم منها اللاحقون… دروس للاستفادة والتعلم، وتفادي الأخطاء بل واجتنابها وعدم الوقوع فيها… لأن أحداث التاريخ غالبًا ما تتكرر ولكن مع اختلاف الشخوص والأزمنة…
كيف هذا؟ وهل ما حدث من مئات القرون يحدث الآن؟
نعم، بل وبتشابه أغرب من أن يصل إليه خيالك.. إبان اجتياح التتار للعالم الإسلامي، وبعد أيام من اكتساح هولاكو لعاصمة الخلافة الأعظم بغداد، لم يشفع للمستعصم تخاذله وفتحه أبواب المدينة، بل وإفشاء أسرار الدولة للغزاة… نعم تم إخبار التتار بأماكن الذهب والفضة وكل كنوز العباسيين، فعل ذلك الخليفة كي يؤمن حياته وحياة أسرته، لكن يا ولداه (طلع نأبه على شونه)؛ حيث كعادة أعداء الإسلام، دائمًا خيانة العهد والغدر مثل الملح على الطعام على طعامهم… تنصل هولاكو لكل وعوده مع الخليفة المستسلم وقتله هو وعائلته!! نعم فهو بالنسبة له مجرد رجل خائن كان يستعمله لأغراض محددة، بمجرد انتهاء تلك الأغراض انتهى معه سبب الحاجة..
بعدما استتب الوضع لهذا الضبع التتاري في بغداد بعد مذبحة مروعة راح ضحيتها قرب المليوني مسلم في أرض العباسيين، بدأ يلملم أوراقه لالتهام الفريسة الجديدة، هولاكو يتجه للمحطة التالية وكان شديد الحيرة بين حلب ودمشق، أيهما يبدأ… بدأ بالفعل يقيم الحوارات والمؤتمرات وجمع كل حلفائه ومنهم بالطبع مسلمون ممن ساعدوه على قتال إخوانهم، مثل بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل، والناصر يوسف أمير حلب، وبدأ يدرس معهم الوضع. بعد البحث والدراسة وجد أن هناك عقبة كبيرة في طريقه، ولاية عند الحدود بين تركيا وسوريا تُدعى ميافارقين… تمثل خطرًا استراتيجيًا على قواته في حين توجه للشام، هولاكو لا يحب أن يترك أي شيء للصدفة أو للمجازفة، لذا قرر التوجه لميافارقين أولًا، كانت تحت سيطرة الكامل محمد الأيوبي..
أرسل له هولاكو في البداية ليُسلم المدينة ويجنب نفسه وشعبه القتل والدمار (نفس العرض الذي عُرض على المستعصم وقبله خاضعًا)، لكن الكامل محمد الأيوبي كان موقفه مختلفًا حيث قتل رسل هولاكو، لم تكن تلك الفعلة التي قام بها الكامل الأيوبي مجرد تعبير عن الرفض فقط، بل كانت أيضًا إعلانًا صريحًا عن الحرب!! جن جنون هولاكو وأخذ يأمر حلفاءه بمحاصرة ميافارقين من كل اتجاه؛ شمالًا وشرقًا هناك أمراء أرمينيا وجورجيا المتعاونون طبيعي مع التتار ضد المسلمين، غربًا كان هناك بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل الخائن، شمالًا من ناحية الغرب توجد قوات من السلاجقة المسلمين متعاونون مع التتار أيضًا، ومن الجنوب الغربي كانت أوامر هولاكو واضحة للناصر يوسف بألا يبرح مكانه ويضيق الخناق على أخيه المسلم تمام التضييق، وأرسل جيشًا بقيادة “أشموط” ابنه لاقتحام المدينة.
استمر الحصار عامًا ونصف… عامًا ونصف وأهالي ميافارقين يستغيثون بكل إخوانهم كي يساعدهم أحد ولا حياة لمن تنادي، وبعد أن نفدت المؤن والذخيرة، وبعد أن انتهى مخزون الطعام، فتحت المدينة أبوابها وقاتل أهلها بكل شرف واستشهد الكامل الأيوبي.
تلك هي أحداث الأيام السابقة… أما الآن، ومنذ أيام ليست بالبعيدة، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية استشهاد المتحدث الرسمي لديها “أبو عبيدة”، ذلك البطل الملثم الذي طالما أرهق العدو وأفزعه، كانت بياناته تنزل على تل أبيب مثل القنابل العنقودية، تزلزل الأرض من تحتهم، وتطير النوم من أعينهم، ذلك الملثم الذي أدى واجبه وناضل وكافح المحتل، ذلك البطل الذي ظلت عيناه ترهب جيوش الاحتلال وتقلق مضاجعهم، بطل لم تظهر ملامحه ولكن كلماته القوية كانت ترسم شجاعته وبريق نظراته تحت القناع، بطل ودعته الأمة كلها وضربت له تعظيم سلام…
لكن قبل الإعلان عن رحيل هذا الأسد كان هناك رحيل من نوع آخر… رحيل نبع شيطاني زُرع بالخطأ في أرض الزيتون، ثمرة خبيثة طرحت خائنًا في أرض العزة والكرامة، حيث أعلنت بعض الفصائل الشعبية المتحالفة مع الكيان مقتل “أبو شباب” قائدها، هذا الخائن؛ خائن عرف خيانته القاصي والداني، خائن تحدثت عن خيانته وجبنه الطيور على الأشجار والأسماك في البحار، عميل وصل حب العدو له أن أصدر نعيًا له بل حاول علاجه داخل مستشفياته!!!
ما هي إلا أيام فصلت بين مقتل أبو شباب وأبو عبيدة، هل استفاد أبو شباب من خيانته وعمالته؟ هل كسب الآلاف بل ملايين الدولارات؟؟ هل أخذها معه إلى قبره؟ هل ترك لأهله سمعة طيبة أو سيرة يفخرون بها أم ترك لهم الخزي والعار؟ وكما رحل أبو شباب وأصبح ذكرى، أيضًا رحل أبو عبيدة ولكن شتان بين هذا وذاك، فهل تستوي العمالة والخيانة بالقوة والجسارة؟؟
رحل الجميع… من حرص على الدنيا مثل المستعصم الذي باع وطنه وأرضه من أجلها… رحل ولم ينفعه جبنه وخيانته، وبعدها بمدة رحل البطل الكامل الأيوبي شامخًا رافع الرأس… رحل وهو يترك لأولاده وأحفاده درسًا للكفاح والنضال، درسًا توارثته الأجيال حتى وصل لأبو عبيدة، مثلما وصلت رسالة الكامل لأبو عبيدة وصلت أيضًا رسالة المستعصم لأبو شباب.. لتختلف الأزمان وتتعاقب الأجيال ولكن تظل الرسالة واضحة في كل العصور:
لن يطيل الجبنُ عمرًا
ولن يحبس الظلامُ فجرًا
وإن لم يكن موتك من أجل عظيمةٍ
فلأي شيء قد يموتُ عظامُ؟
ما زاد جبنٌ عُمرَ صاحبه
ولا يومًا سينقص عمرك الإقدامُ

