كتبت / مايسة عبد الحميد
في ذكرى وفاة الشيخ الطبلاوي، يستعيد محبو التلاوة القرآنية في مصر والعالم العربي سيرة واحد من أعظم قرّاء القرآن الكريم، الذي ترك بصمة لا تُمحى بصوته العذب وأدائه الخاشع، بعدما أفنى أكثر من 60 عامًا في خدمة كتاب الله، متنقلاً بين المساجد والإذاعات والمنصات العالمية، حاملاً رسالة التلاوة المصرية إلى مختلف بقاع الأرض.
🟡 ذكرى رحيل لا تُنسى
تحل اليوم الذكرى السادسة لرحيل القارئ الكبير الشيخ محمد محمود الطبلاوي، الذي وافته المنية في تمام الساعة السادسة والنصف مساء يوم الثلاثاء 28 رمضان 1441 هجريًا، الموافق 5 مايو 2020، وذلك عقب أذان المغرب مباشرة، في مشهد مؤثر تزامن مع لحظة الإفطار، وكأنها خاتمة روحانية تليق بمسيرة قارئ عاش عمره بين آيات القرآن الكريم.
وقد رحل الشيخ عن عالمنا في مسقط رأسه بقرية صفط جذام التابعة لمركز تلا بمحافظة المنوفية، بعد رحلة طويلة من العطاء والإخلاص في تلاوة القرآن، امتدت لأكثر من ستة عقود، قدّم خلالها مئات التلاوات التي لا تزال تُبث عبر إذاعة القرآن الكريم والتلفزيون المصري.

🟡 النشأة والبدايات المبكرة
وُلد الشيخ محمد محمود الطبلاوي في 14 نوفمبر عام 1934، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة، حيث بدأ رحلته مع القرآن الكريم في سن مبكرة جدًا، إذ أتم حفظه كاملًا وهو في التاسعة من عمره داخل كُتّاب القرية.
ومنذ صغره، ظهرت موهبته الفريدة في التلاوة، فلفت الأنظار بسرعة، وبدأ يشارك في إحياء المناسبات الدينية والعزاءات، وكان أول أجر حصل عليه لا يتجاوز خمسة قروش، وذلك في سن الحادية عشرة، في عزاء والد عمدة القرية، وهي لحظة كانت بداية طريق طويل من المجد.
🟡 محاولة اغتيال غامضة في أحد العزاءات
من بين أبرز المواقف الصعبة التي كشف عنها الشيخ في أحد حواراته، حادثة محاولة اغتياله بطريقة خبيثة خلال إحيائه أحد سرادقات العزاء.
حيث روى أنه قُدم له فنجان قهوة، وكان معروفًا بحبه الشديد لها، لكنه في كل مرة كان يحاول احتساءها، ينشغل بالترحيب بالحضور الذين التفوا حوله للسلام عليه، حتى نسي الفنجان تمامًا.
وبعد فترة، ظن أن القهوة بردت، فطلب من أحد العمال تناولها، وما إن شربها حتى سقط أرضًا يعاني من آلام شديدة، ليتم نقله فورًا إلى المستشفى، حيث تبين أن القهوة كانت تحتوي على مادة سامة، وأن المستهدف الحقيقي كان الشيخ نفسه.
وقد فسر الطبلاوي هذه الواقعة بأن بعض القراء غير المعروفين كانوا يشعرون بالغيرة من حضوره القوي، معتبرين أنه يؤثر على فرصهم في إحياء العزاءات، على حد وصفه.

🟡 رفض متكرر قبل النجاح الكبير
لم تكن رحلة الشيخ الطبلاوي سهلة، بل واجه العديد من التحديات، أبرزها رفضه المتكرر للانضمام إلى إذاعة القرآن الكريم، حيث تقدم للاختبار 9 مرات متتالية دون قبول.
وكان السبب الرئيسي وراء ذلك، حسب تصريحاته، رفضه دراسة المقامات الموسيقية أو الاعتراف بها، رغم إصرار لجنة الاختبار حينها على ضرورة تعلمها، وهو ما اعتبره يتعارض مع رؤيته الخاصة للتلاوة.
وظل على موقفه رغم الرفض المتكرر، حتى تغيرت اللجنة بعد نحو 10 سنوات، فتقدم مرة أخرى للمرة العاشرة، ليتم قبوله أخيرًا، دون أن يتنازل عن مبادئه.
🟡 إشادة ملكية خالدة بمكانة التلاوة المصرية
من المواقف التي ظل الشيخ يذكرها بفخر، لقاءه مع الملك خالد بن عبد العزيز، والذي أشاد خلاله بقرّاء مصر، في عبارة أصبحت من أشهر ما قيل عن التلاوة المصرية.
حيث قال الملك الراحل:
“إن القرآن نزل في الجزيرة العربية، وطُبع في إسطنبول، وقُرئ في مصر”، وهي شهادة تعكس مكانة المدرسة المصرية في التلاوة، والتي كان الطبلاوي أحد أبرز رموزها.
🟡 إرث خالد وصوت لا يغيب
ترك الشيخ الطبلاوي إرثًا ضخمًا من التلاوات النادرة، التي لا تزال تُبث حتى اليوم، وتُدرّس كنموذج للإتقان والخشوع، كما تولى منصب نقيب قراء القرآن الكريم، وكان له دور كبير في الدفاع عن حقوق القراء والحفاظ على مكانة التلاوة.
ورغم رحيله، لا يزال صوته حاضرًا في وجدان الملايين، خاصة في شهر رمضان، حيث ارتبطت تلاواته بالأجواء الروحانية التي يعيشها المسلمون كل عام.
🟡 ختام
في ذكرى وفاة الشيخ الطبلاوي، لا نتذكر مجرد قارئ، بل نستحضر مدرسة كاملة في التلاوة، وصوتًا استطاع أن يعبر حدود الزمان والمكان، ليبقى خالدًا في ذاكرة الأمة، شاهدًا على عظمة الفن القرآني في مصر.




